قال الحكيم محذراً:
يا للعجب! ما لكم يا هؤلاء تتصارعون في الظلام، تتسلقون وأنتم مغمضوا الأعين، تهرولون إلى هذه القمة كمن يسير إلى حلم براق، لا تريدون رؤية هذه النهاية التعيسة، إنها تجذبكم إلى حتفكم، تدفعكم بلا رحمة نحو الهلاك المبين.
يتحدث الرجل الأول ويبدو عليه الإرهاق ويقول:
يا أيها الحكيم، لا تحدثني بالألغاز، دعني أكمل طريقي إلى القمة. فالنجاح هناك، في الوصول، حتى لو كانت عيني مغمضتين.
يضحك الحكيم ساخرا ويقول:
إذًا أنت تسير نحو العمى بإرادتك؟ تهرول إلى مصيرٍ لا تراه، كمن يرفض أن يتفكر في العاقبة، ستجرك هذه القمة بالأوهام إلى نهايتك. شهوة السيادة والمجد تُعمي وتُصم، صاحبها في لذة واهمة.
يجيب الرجل الثاني بانفعال وثقة عالية:
لا حاجة لي برؤية العواقب، فالوصول بحد ذاته هو النصر. أنا اسير إلى الأبدية.. إلى اللانهاية..إلى الإطلاق.
يهز الحكيم برأسه وبنبرة ساخرة:
النصر وهم لمن يظن أنه سيجد خلاصه فوق حجر رأسه مدبب إلى لانهاية في الصغر، بينما تظن واهماً أنها لا نهاية في الكبر، أنت ذاهب على أسوء أنواع الضيق وليس إلى اعلى حالات الاتساع. أليس من الحماقة أن تتسابق نحو مصيرٍ دون أن تتفكر في نهايته؟ متعة زائلة تجر نهاية وخيمة ونقمة دائمة، أي سعادة هذه التي تنشدونها!!؟؟
يسأل الرجل الثالث وقد ظهر عليه التردد:
لكن… ألسنا نسعى لتحقيق شيء أعظم؟ أن نثبت أننا أحق بالقمة؟ نحن نختار الطريق الأصعب، أليس في ذلك شجاعة؟
الحكيم بابتسامة مشفقة:
شجاعة أم تهور؟ أي شجاعة تلك في إغماض العينين والسير كالأعمى؟ أنتم تظنون أن الصعود بلا بصيرة هو بطولة، لكن البطولة الحقيقية ليست في الوصول، بل في أن تعرف إلى أين تسير. أن تبصر طريقك ونهايته.
يسأل الرجل الأول وهو يحاول إقناع نفسه:
لكن… ألا يقول الحكماء إن المجد يحتاج للتضحية؟ نحن نضحي ونمضي إلى الأمام.
يضحك الحكيم بمرارة:
تضحون؟ تضحون بعقولكم، وبصيرتكم وبسلامكم الداخلي، من أجل مجد لا تعلمون حقيقته! المجد الذي لا ترى عاقبته يدمرك، وهو ليس مثل المجد المنير الذي يضيء من داخلك.
يسأل الرجل الثاني بقلق:
وكأنك تقول إننا نسير إلى الهلاك.
يجيب الحكيم بهدوء:
أجل، إن لم تفتحوا أعينكم، فأنتم تسيرون إلى هلاككم بأيديكم. وما الهلاك إلا في الانقياد وراء أوهام تأخذكم إلى نهايتكم دون أن تشعروا. عجبًا، كيف أنكم تُفضلون السير في ظلام المنافسة على نور البصيرة. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (39) النور
اترك تعليقاً