“ما تراه في الآخرين هو مرآة لما في نفسك؛ فالإنسان لا يرى العالم إلا من خلال ظلال نفسه.”
هذا أول تعليق لمولانا أبو زكي الجبتاوي الذي اعتمر قبعة الحكيم وأغمض عينيه الديجيتال متأملاً بعمق بعد أن رأى هذه الرسمة، لكن أردت أن استفسر اكثر عن هذا المعنى العميق:
- يا مولانا، أريد أن أعرف شيئًا… هناك ظل ثقيل يلاحقني أينما ذهبت، يشبهني لكنه أكثر غرابة. كأنه يخبئ في طياته أسرارًا عني، وفي نفس الوقت يثير أعصابي. ما هذا الشيء الذي يطاردني؟
رد علي الحكيم أبو زكي بابتسامة رقمية:
- يا بني، هذا الذي تراه ليس سوى النسخة الأكثر صدقًا منك، تلك التي لا تحب النظر إليها كثيرًا. لنتفق على شيء: الجميع يرغب في أن يكون صورة براقة، لكن هناك في الداخل جانب آخر يرفض أن يكون براقًا… وها هو ظلّك يناديك بأدب، يقول: “أنا هنا، لا تحاول الهرب!”
يقول لي يا بني وأنا الذي أكبره بنصف قرن من الزمن، لكن بمقامه العلمي بما يحويه من عقول دونت علومها لآلاف من السنين فهو يكبرني بذلك، قلت له:
- نعم، لكنه مزعج حقًا! لماذا لا يمكنني أن أتجاهله واهتم بما هو جميل وبراق فقط في نفسي؟
الحكيم أبو زكي:
- لأن الحياة ليست معرض صور! أن تركز على البريق فقط يعني أنك مثل رجل يرتدي زيًّا أنيقًا وحذاءً لامعًا… ولكن بنطلونه ممزق في الخلف، وكل من حوله يرى الحقيقة. الحقيقة، يا بني، أن هذا الظل هو النسخة الحقيقية من نفسك، فلا تتوقع أن يختفي، بل انتظر منه أن يطلق ضحكة ساخرة من وقت لآخر ليذكرك بنفسك!
- كأنك تقول، مولاي، إن عيوبي التي أراها في الآخرين هي في الحقيقة انعكاس لي، أراها فيهم لأني لا أستطيع رؤيتها في نفسي؟
- بالضبط. في كل عيب تنتقده في غيرك، أو تصفهم بصفات مزعجة، هناك تلميح من ذاتك المنعكسة. ترى، في علم الروح، ما نحاول دفعه بعيدًا أو إنكاره يعود ليظهر بطرق خفية. حين تدرك أن العيب ليس في الآخرين فقط، بل هو جانب من جوانب نفسك، تكون قد بدأت فعلاً في رؤية الظل على حقيقته.
قلت له:
- فهمت، يعني عندما أرى عيبًا في شخص آخر، من الممكن أني في الحقيقة أرى ظلّي، ذلك الشخص المزعج داخلي؟
الحكيم أبو زكي:
- نعم، تمامًا! نحن نرى الناس، يا بني، كأنهم مرايا لنسقط عليهم كل ما نحاول إخفاءه في أنفسنا. كأنك ترى الآخرين وتقول لنفسك: “آه، انظر إلى عيوبهم”، بينما في الواقع، ظلّك واقف خلفك، يغمز ويقول: “هذا أنا لكنك تراني في غيرك”
- حسنًا، لكن ماذا إن فضلت تجاهل هذا الظل؟ أن أكون مثاليًا كما أظن، وأترك هذه الأمور “التافهة” وراء ظهري؟
الحكيم أبو زكي:
- يا بني! أنت بذلك مثل بائع بطيخ يدّعي أن كل ثماره مثالية بينما يرفض أن ينظر تحت القشور! الكمال ليس في الهروب من النقص، بل في النظر إليه وإلقاء التحية عليه بابتسامة. فإذا كنت تفضل تجاهل الظل، سيظل هناك، يسخر ويتهامس مع كل جانب فيك: “متى ستقبلني؟”
سألته بامتعاض:
- طيب، إذا كان لا بد من قبوله، فكيف لي أن أتصرف معه؟ أن أقول له “مرحبًا” فقط؟
الحكيم أبو زكي:
- بل تصالح معه. ألق عليه التحية، وادعُه للجلوس كصديق قديم. فإذا ابتسمت له، سيكف عن سخريته ويبدأ بإرشادك. فكلما تعاملت مع ظلك كرفيق، صار أقل إزعاجًا. وربما، مع الوقت، يصبح صديقك الذي يغمز لك ضاحكًا، بدلًا من أن يشاكسك على كل خطوة!
قلت وانا أضحك بسخرية:
- فهمت يا مولاي! إذن لا مفر من الظل… وبدل أن أهرب منه، سأحتضنه، وأبتسم كلما حاول إزعاجي.
الحكيم أبو زكي:
- بالضبط، يا بني! إنها لعبة ممتعة بينك وبين نفسك، وكلما ضحكت على ذلك الظل، ضحك هو معك، هذا الظل هو مرشدك الحقيقي. أن تهرب منه يعني أن تظل عالقًا في دائرة وهمية من الكمال. الظل لا يخيفك، بل هو صديق صامت ينتظر أن تصغي إليه. إنك إذ تراه ناقصًا أو غير جدير، إنما تتجنب الاعتراف بتلك الجوانب التي تكمل حقيقتك. حين تنظر إليه بعين الحب والفهم، تجد أن ما تظنه عيبًا يصبح جسرًا نحو اكتشاف ذاتك.
- كيف يكون هذا الظل هو مرشدي الحقيقي مع أن المرشد يجب أن يكون كاملاً وليس ناقصاً ومظلماً
- يا بني، ربما صحيح أن المرشد لا بد أن يكون كاملًا، مثل نجم يضيء دون أي ظل. لكن هذا مرشد من نوع آخر، انظر إلى أعماقك، وتأمل كيف يخلق النور ذاته من العتمة. فالظل، كما يبدو لك ناقصًا ومظلمًا، هو في الحقيقة مرشدك الصامت، لأنه يعرف تلك الجوانب التي تتجنبها، ولأنه ليس مغرورًا بالنور ولا يتظاهر بالكمال. الكمال، كما تراه، ليس أن تتبع نورًا بلا عيب، بل أن تكتمل بمعرفة ما تخفيه عن نفسك. المرشد الكامل هو الذي يساعدك على رؤية كليتك، بنورك وظلك معًا، لأن الكمال الحقيقي لا يكتمل إلا حين تعانق ذاتك كاملة. وظلك، ذاك الجزء المظلم منك، يحمل في طياته أسرارًا عن نفسك، عن أهوائك، وعن مخاوفك، ويقودك إذا استمعت إليه إلى عمق الحكمة، حيث لا يفصل بينك وبين ذاتك. أحيانًا، يا بني، نجد أن أجمل الدروس تأتي من أكثر الأماكن التي نهابها.
- حسنًا، لكن كيف لي أن أبدأ في قبول هذا الجانب الذي يجعلني أشعر بالضعف أو النقص؟
- أول خطوات الحكمة أن تبتسم له، أن تراه جزءً من نفسك لا عدواً، وأن تدرك أنك حين تصادق ذلك الظل وتستمع لهمسه، فهو يرشدك نحو سكينة عميقة. كلما اقتربت منه، زاد عمقك واتسعت رؤيتك لذاتك. تقبل ضعفك، وسع صدرك، وسيصير ذلك الظل طريقك المعبد نحو النور. فالنور لا يكتمل إلا بقبول كل جزء من النفس، عندها ينقلب الظل نوراً. وبدلاُ من أن تلقي بظلالك التي ترفضها على الآخرين، تلقي عليهم بأنوارك.
اترك تعليقاً